بقلم : زيد اللغميش الحداد
مدينة طنجة، بعراقتها وتاريخها الضارب في جذور الحضارات، لطالما كانت رمزا للأصالة والرقي الأخلاقي، فهي ليست مجرد مدينة ساحلية ذات موقع استراتيجي، بل كانت وما زالت ملتقى الثقافات وموطنا للقيم النبيلة التي توارثها الطنجاويون جيلا بعد جيل.
غير أن هذه الهوية الأصيلة أصبحت مهددة بفعل تغيرات اجتماعية وثقافية أدت إلى ظهور مجتمع بعيد عن أسس التربية والأخلاق التي كانت تميز الطنجاويين.
في الماضي، كانت طنجة مجتمعا متماسكا يقوم على الاحترام، الحشمة، والتربية، حيث كان للحياء مكانته، وكانت الأخلاق الرفيعة جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية، سواء في المعاملات التجارية أو العلاقات الأسرية والاجتماعية.
غير أن التحولات التي شهدتها المدينة، خصوصا مع الانفتاح العشوائي واستقطابها لموجات هجرة داخلية غير متوازنة، أدت إلى تغييرات جوهرية في النسيج الاجتماعي.
ومع توافد فئات تفتقر إلى الوعي والتربية، واحتلالها مساحات واسعة في المجال العام، بدأت ملامح جديدة تتشكل في المجتمع الطنجاوي.
لم تعد القيم الأخلاقية هي المحرك الأساسي للسلوكيات، بل أصبح الجهل والسطحية عنوان المرحلة، فصار التطاول على القيم أمرا عاديا، وانقلبت المفاهيم حتى بات التهريج هو معيار “النجاح”، والانحطاط الأخلاقي هو “التطور”، والتبرج والتفاخر الزائف هما “التحضر”.
التغيير في أي مجتمع أمر حتمي، لكن الخطير في التحول الذي شهدته طنجة هو فقدان التوازن بين الحداثة والهوية.
فبدل أن يكون الانفتاح وسيلة لتطوير المجتمع الطنجاوي مع الحفاظ على أصالته، تحول إلى وسيلة لطمس هذه الهوية وإحلال ثقافة دخيلة قائمة على التفاهة والانحطاط.
والأخطر من ذلك، أن هذه الفئات الجديدة فرضت هيمنتها على المشهد العام، سواء عبر وسائل الإعلام أو عبر سلوكيات يومية أفرغت المدينة من طابعها المميز.
إنقاذ الهوية الطنجاوية لا يكون برفض التطور، بل بتوجيهه نحو مسار يحترم القيم الأصيلة للمدينة، يجب على النخب الفكرية والثقافية أن تتحمل مسؤوليتها في إعادة توجيه المجتمع، وعلى أبناء طنجة الأصليين أن يفتخروا بهويتهم ويعملوا على نقلها للأجيال الجديدة.
كما أن المؤسسات التربوية والإعلامية لها دور محوري في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، بحيث يكون الانفتاح قائما على أسس التربية والأخلاق وليس على الانسياق وراء موجات هدامة.
التجرد من الهوية الطنجاوية ليس مجرد تغيير اجتماعي، بل هو أزمة قيم تتطلب وقفة تأملية جادة.
فالمجتمع الذي يفقد أصالته يسير نحو الضياع، ومدينة بحجم طنجة لا يمكن أن تختزل في صورة نمطية مفرغة من جوهرها الأخلاقي والتاريخي.
الحل يكمن في مقاومة التفاهة بوعي، ومواجهة الانحطاط بقوة التربية، حتى تعود طنجة إلى مكانتها التي تستحقها: مدينة العراقة، التحضر، والأصالة.
