تستعد الكشفية الحسنية المغربية لمحطة ديمقراطية جديدة، في لحظة تتجاوز في أهميتها مجرد انتخاب رئيس جديد، لتطرح سؤالاً أكبر وأكثر عمقاً: أي كشفية نريد للمستقبل؟
فمنذ تأسيسها سنة 1933، لم تكن الكشفية الحسنية المغربية مجرد إطار جمعوي، بل مدرسة تربوية ساهمت في تكوين أجيال من الأطفال والشباب والقادة، ورسخت قيم المواطنة والانضباط والعمل التطوعي وروح المسؤولية وخدمة المجتمع.
واليوم، وبعد عقود طويلة من العطاء، تجد الجمعية نفسها أمام جيل جديد من التحديات والفرص، يحتاج إلى رؤية جديدة تحافظ على الإرث وتبني المستقبل.
وتأتي الترشحات الثلاثة لكل من القائد أحمد بنجبيلي، والقائد عبد اللطيف كركاس، والقائد شكيب بنعياد لتمنح هذه المحطة الديمقراطية أهمية خاصة، باعتبارها تعبيراً عن تعدد الكفاءات والرؤى داخل البيت الكشفي، وفرصة أمام المناضلين والقادة لاختيار المشروع القادر على قيادة الجمعية خلال المرحلة المقبلة.
غير أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في السؤال: من سيكون الرئيس؟ بل في السؤال الأهم: ماذا سيقدم الرئيس المقبل للكشفية الحسنية المغربية؟
فالجمعية اليوم بحاجة إلى مشروع يجعل من التربية الكشفية مواكبة لعصرها، دون أن تفقد جوهرها.
مشروع يستثمر في تكوين القادة، ويمنح الشباب مساحة أكبر للمبادرة والمشاركة، ويعيد الاعتبار للأنشطة التربوية النوعية، ويقوي حضور الجمعية وطنياً ودولياً، ويجعل من الشراكات وسيلة حقيقية لتوسيع أثرها المجتمعي.
كما أن مستقبل الكشفية أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بقدرتها على مواكبة التحول الرقمي والتكنولوجي والذكاء الاصطناعي.
فلم يعد من الممكن أن تبقى المؤسسات التربوية والجمعيات خارج هذا التحول العالمي، بل أصبح من الضروري التفكير في رقمنة الإدارة، وتطوير أدوات التكوين والتواصل، والاستفادة من التقنيات الحديثة في إعداد البرامج والأنشطة، وتأهيل القادة والأطفال والشباب للتعامل مع التكنولوجيا بشكل واعٍ ومسؤول.
والذكاء الاصطناعي تحديداً يفتح أمام العمل الكشفي آفاقاً واسعة في التعليم والتكوين وإنتاج المحتوى وتطوير المشاريع، لكنه في الوقت نفسه يفرض مسؤولية تربوية وأخلاقية كبيرة، تتمثل في تكوين جيل قادر على استعمال التكنولوجيا لخدمة الإنسان والمجتمع، لا أن يتحول إلى مجرد مستهلك لها.
ومن هنا، فإن التنافس بين أحمد بنجبيلي وعبد اللطيف كركاس وشكيب بنعياد يمكن أن يشكل مناسبة حقيقية لطرح تصورات ومشاريع حول مستقبل الجمعية، وأن تتحول الانتخابات إلى فضاء للنقاش حول الحكامة، والتكوين، والشباب، والرقمنة، والتمويل، والشراكات، والحضور المجتمعي، بدل أن تختزل في المنافسة على المسؤولية.
وتبقى الديمقراطية في هذه المحطة جزءاً من الرسالة التربوية نفسها؛ فالكشفية التي تعلم أبناءها الحوار واحترام الاختلاف وقبول الآخر وتحمل المسؤولية، من الطبيعي أن تقدم داخل مؤسساتها نموذجاً لهذه القيم.
ولذلك فإن قوة هذه المرحلة لن تكون فقط في تعدد المرشحين، وإنما في مستوى النقاش الذي ستنتجه، وفي قدرة الجميع على احترام الاختيار الديمقراطي بعد إعلان النتائج.
إن الرئيس المقبل سيحمل مسؤولية كبيرة، لأن المرحلة لا تحتاج فقط إلى من يدير الجمعية، بل إلى من يمتلك القدرة على توحيدها، وتجميع كفاءاتها، والاستماع إلى مختلف أجيالها، وتحويل طاقاتها إلى مشروع مؤسساتي وتربوي متجدد.
فالكشفية الحسنية المغربية لا تبدأ من جديد؛ إنها تنطلق من تاريخ يمتد لأكثر من تسعة عقود، وتحمل رصيداً من التجارب والذاكرة والقيادات. لكن المحافظة على هذا الإرث لا تعني الاكتفاء بالماضي، بل تعني تحويله إلى قوة لبناء الغد.
وفي هذه اللحظة، قد تختلف الرؤى بين المرشحين الثلاثة، وقد تختلف الاختيارات، لكن المصلحة العليا تظل واحدة: أن تخرج الكشفية الحسنية المغربية من هذه المحطة أكثر قوة ووحدة وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
إنها ليست فقط انتخابات لرئاسة جمعية عريقة، بل فرصة لإعادة طرح سؤال المستقبل، وإعادة تعريف دور الكشفية في مجتمع يتغير بسرعة، وبناء مؤسسة تجمع بين أصالة التربية الكشفية، وقوة العمل المؤسساتي، وروح الشباب، وإمكانات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
ومن إرث 1933 إلى آفاق المستقبل، تبقى المسؤولية مشتركة، والاختيار ديمقراطياً، والتحدي الأكبر أمام القيادة المقبلة هو أن تجعل من الكشفية الحسنية المغربية مدرسة تربوية عصرية، ومؤسسة جمعوية قوية، وفضاءً لصناعة قادة الغد.
ثلاثة أسماء أمام الاختيار … لكن المستقبل هو الرهان الحقيقي.
