في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، والتغيرات المتسارعة في موازين القوى داخل القارة الإفريقية، يطرح المراقبون تساؤلا جوهريا: إلى متى سيستمر النظام الجزائري في دعمه غير المشروط لجبهة البوليساريو الانفصالية؟ وهل بات التخلي عنها خيارا لا مفر منه أمام الضغوط الداخلية والخارجية؟
ولطالما شكل دعم الجزائر لجبهة البوليساريو أحد ثوابت سياستها الخارجية، حيث خصص النظام الجزائري على مدار العقود الماضية موارد مالية ولوجستية ضخمة للجبهة، في محاولة لإدامة النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.
غير أن هذا الدعم يأتي في وقت تواجه فيه الجزائر أزمات داخلية متفاقمة، تتجلى في أوضاع اقتصادية صعبة، ارتفاع معدلات البطالة، واستياء اجتماعي متزايد، مما يجعل استمرار الإنفاق على الجبهة الانفصالية عبئا ثقيلا على الاقتصاد الجزائري ومصدر استياء شعبي.
وعلى الصعيد الدولي، تراجعت مكانة البوليساريو بشكل ملحوظ، حيث تزايدت الاعترافات بسيادة المغرب على صحرائه من قبل قوى دولية كبرى مثل الولايات المتحدة وإسبانيا وألمانيا، كما أن عدد الدول التي سحبت اعترافها بـ”الجمهورية الوهمية” وصل إلى أكثر من 45 دولة.
بالمقابل، تحظى المبادرة المغربية للحكم الذاتي بدعم أممي ودولي واسع باعتبارها الحل الأكثر واقعية لإنهاء هذا النزاع المفتعل، ما يضع النظام الجزائري في موقف حرج، خاصة مع ضغوط القوى الكبرى التي تطالب الجزائر بالانخراط بجدية في المسار الأممي بدل العرقلة المستمرة.
إفريقيا، لم تعد الجزائر قادرة على فرض هيمنتها داخل الاتحاد الإفريقي، حيث باتت الدبلوماسية المغربية تحقق اختراقات كبيرة داخل القارة، عبر تعزيز العلاقات الاقتصادية والسياسية مع دول إفريقية مؤثرة.
كما أن عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي عام 2017، وافتتاح العديد من القنصليات الإفريقية في مدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية، مثل نيجيريا، زامبيا، الكونغو الديمقراطية، وبوروندي، تعد صفعة دبلوماسية للنظام الجزائري، الذي فقد نفوذه التقليدي داخل القارة.
ورغم هذه المتغيرات، يواصل كابرانات الجزائر تبني سياسة الهروب إلى الأمام، مستعملين ورقة البوليساريو لتبرير سياساتهم الداخلية القمعية، ولإلهاء الشعب الجزائري عن مشاكله الحقيقية.
لكن الواقع يؤكد أن الزمن لم يعد في صالحهم، فمع تفاقم الأزمات الداخلية، وتنامي الإدراك الدولي بعدم جدوى دعم مشروع انفصالي مفلس، يجد النظام الجزائري نفسه أمام خيارين:
-
مواصلة العناد السياسي والمقامرة بمستقبل الجزائر الاقتصادي والدبلوماسي.
-
الاعتراف بالحقائق الجديدة والتخلي عن البوليساريو، حفاظا على المصالح الجزائرية قبل فوات الأوان.
وهنا يبدو أن تغيير موقف النظام الجزائري من النزاع حول الصحراء المغربية ليس مسألة “إذا”، بل “متى وكيف”.
فمع الضغوط الدولية، والتكاليف الباهظة لدعم الجبهة الانفصالية، قد يصبح التخلي عن البوليساريو مسألة وقت، لكن السؤال الأهم هو: هل يملك كابرانات الجزائر الشجاعة لاتخاذ هذا القرار، أم أنهم سيظلون أسرى أوهام الماضي حتى النهاية؟
