في زمن تتكاثر فيه وصفات النجاح السريع على منصات التواصل الاجتماعي، تحولت “الوظيفة” في نظر البعض إلى خيار باهت، بل إلى عائق أمام الطموح.
غير أن هذا الخطاب، الذي يسوق أحيانا تحت لافتة التحفيز وريادة الأعمال، يثير نقاشا واسعا حول حقيقة العلاقة بين العمل المأجور والنجاح المهني.
فهل الوظيفة فعلا نقيض التفوق؟ أم أنها، في سياقات كثيرة، مدرسة لصناعة الخبرة وبناء الكفاءات؟
المشهد اليوم يكشف عن موجة متصاعدة من شيطنة العمل داخل المؤسسات، مقابل تمجيد غير مشروط لفكرة “التحرر” عبر المقاولة.
لكن التجارب العالمية في تدبير الدول والشركات الكبرى تؤكد أن الكفاءة لا تبنى بالشعارات، بل بالتراكم والانضباط والتدرج في المسؤوليات.
فداخل المؤسسات تتشكل الخبرات، وتصقل المهارات، وتختبر القدرات في بيئات معقدة تتطلب الاحترافية والالتزام.
وفي هذا السياق، يبرز نقاش جوهري حول مفهوم النجاح ذاته: هل هو قرار فردي معزول، أم مسار مهني تصنع لبناته داخل منظومات عمل منظمة؟ هنا يطرح الخبير الدولي والمدير في مجال الأعمال، أيمن العبودي، رؤيته التي تدعو إلى مراجعة هذا الطرح التبسيطي، مؤكدا أن النجاح ليس “قرارا” مجردا، بل نتيجة “قالب” مهني يتشكل عبر التجربة والانخراط في مؤسسات قائمة.
ويشدد أيمن العبودي على أن الخبرة الدولية، سواء في إدارة الدول أو الشركات الكبرى، غالبا ما تبنى من داخل الوظيفة، معتبرا أن أرقى المناصب التي يصل إليها الخبراء والاستشاريون هي ثمرة سنوات من العمل داخل منظومات معقدة.
ويرى العبودي أن عقد العمل ليس علاقة عبودية كما يروج أحيانا، بل هو شراكة قائمة على الكفاءة والقيمة المضافة.
ففي منطق إدارة الأعمال الحديث، الموظف الكفء يعد شريكا استراتيجيا، بل إن كبار المديرين التنفيذيين في العالم، الذين يديرون ميزانيات ضخمة، يظلون في نهاية المطاف ضمن إطار وظيفي، لكنهم يتقاضون أجورا وتعويضات تعكس خبرتهم النوعية وقدرتهم على صناعة القرار.
كما يؤكد أن المقاولة ليست الخيار المناسب للجميع، وأن التدبير ليس مجرد “فتح محل”، بل مسؤولية ثقيلة تتطلب استعدادا لتحمل المخاطر وتعقيدات الإدارة والضرائب والتسيير.
في المقابل، تظل الوظيفة خيارا واعيا لمن يفضل التركيز على الإبداع والتخصص دون الانخراط في تفاصيل التسيير اليومي للمقاولة.
ويختم العبودي رسالته بدعوة موجهة إلى صناع المحتوى في مجال التحفيز، تحثهم على تشجيع الأفراد ليكونوا أفضل نسخة من أنفسهم في مواقعهم، بدل زرع الشك في قيمة العمل المؤسسي.
فالدول، كما يقول، تبنى بكفاءة أطرها وموظفيها بقدر ما تبنى بشجاعة مقاوليها، والنجاح في النهاية ليس استقالة من موقع، بل استقامة وإتقان في أي موقع كان.
