كان لمتابعة مباريات كأس إفريقيا للأمم أو كأس العالم في “أيام زمان” طعم خاص لا ينسى، طعم يمتزج بالانتظار والشغف والجماعة، ويصعب على التكنولوجيا الحديثة، رغم كل مزاياها، أن تعوضه بالكامل.
لم تكن المباريات مجرد أحداث رياضية، بل مناسبات اجتماعية حقيقية، تجمع العائلة والجيران والأصدقاء حول تلفاز صغير، أحيانا أبيض وأسود، وأحيانا بصورة مشوشة، لكن بقلوب متعلقة بكل تمريرة وهدف.
في تلك السنوات، كان موعد المباراة يضبط كما تضبط المناسبات الكبرى.
ينتهي اللعب في الأزقة باكرا، وتغلق الدكاكين قبل صافرة البداية، ويتقاسم الجميع مساحة ضيقة أمام شاشة لا تتجاوز بضع بوصات.
كان الصراخ جماعيا، والفرح جماعيا، وحتى الخيبة كانت تحتمل لأن الجميع يتقاسمها.
لم تكن الإعادة متاحة، ولا الإحصائيات الفورية، ولا التحليل اللحظي، بل كانت لحظة الهدف تمر مرة واحدة، فتُحفر في الذاكرة إلى الأبد.
ومع تطور الزمن، تغير كل شيء تقريبا.
اليوم، أصبحت مباريات كأس إفريقيا وكأس العالم في متناول اليد، تشاهد عبر الهواتف الذكية، والألواح الرقمية، ومنصات البث المباشر، وفي أي مكان وزمان.
لم يعد المشجع مرتبطا بمكان واحد أو شاشة واحدة، بل بات يتنقل مع المباراة بين العمل والمقهى والبيت، يتابعها بدقة عالية، ويعيد اللقطة عشرات المرات، ويقرأ التحليل في نفس الثانية التي يسجل فيها الهدف.
هذا التحول التكنولوجي منح المشاهد حرية غير مسبوقة، وقرب الكرة العالمية من الجميع، لكنه في المقابل غير طبيعة المتعة نفسها.
المتابعة أصبحت أكثر فردية، وأقل جماعية. صار كل مشجع يعيش لحظته الخاصة مع هاتفه، حتى وإن كان محاطا بالآخرين.
خفت حرارة النقاش المباشر، وحلت محلها تعليقات سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإيموجيات تختصر مشاعر كانت تُقال يومًا بالصوت العالي والضحكات والجدال.
ورغم جودة الصورة وسهولة الوصول إلى المعلومة، يحن كثيرون إلى بساطة الماضي، إلى تلك اللحظات التي كان فيها انقطاع البث أو ضعف الإشارة جزءا من الحكاية، وإلى الأهداف التي كانت تحتفل بها في الشارع قبل أن تصل إلى نشرة الأخبار.
حنين لا يرفض الحاضر، لكنه يتساءل عمّا إذا كانت التكنولوجيا، رغم تقدمها، قد سلبت من الكرة شيئًا من روحها الجماعية.
بين تلفاز صغير يجمع القلوب، وهاتف ذكي يختصر العالم في شاشة، يبقى عشق كرة القدم ثابتا، يتكيف مع الزمن لكنه لا يفقد جوهره.
فسواء شاهدنا كأس إفريقيا أو كأس العالم في بيت مكتظ بالمشجعين، أو عبر هاتف محمول وسماعات، تظل الكرة لغة مشتركة، قادرة على توحيد الناس، وإن اختلفت الوسائل وتغيّر شكل المتعة.
