بقلم : الإطار المكون أشرف زكي
مع كل صيف، تتوجه أنظار الأسر المغربية نحو المخيمات الصيفية التي تحتضنها مختلف جهات المملكة في إطار البرنامج الوطني للتخييم.
هذه الفضاءات التي تستقبل عشرات الآلاف من الأطفال واليافعين لا تمثل مجرد عطلة أو فسحة، بل تحولت إلى مختبر تربوي يعزز القيم ويُسهم في بناء الصحة النفسية للأجيال الصاعدة.
التعبير كمدخل للراحة النفسية
داخل فضاءات التخييم، يمنح الأطفال مساحة نادرة للتعبير عن ذواتهم، سواء عبر المسرح، الغناء، الرسم أو النقاشات الجماعية.
ويرى مؤطرون أن هذه الأنشطة “تفتح قنوات جديدة أمام الطفل للتعبير عن مشاعره، وتساعده على التخلص من الضغوطات اليومية التي يعيشها في المدرسة أو الأسرة”.
دراسة صادرة عن المرصد الوطني لحقوق الطفل سنة 2023، أكدت أن ما يقارب 68% من الأطفال المغاربة يعانون من ضغوطات مرتبطة بالدراسة والامتحانات، وأن المخيمات تعد فرصة للتخفيف منها عبر أنشطة تربوية موجهة.
الصحة النفسية.. الحلقة الغائبة التي بدأت تفرض نفسها
على الرغم من أن المخيمات لطالما ركزت على الترفيه والأنشطة الجماعية، إلا أن السنوات الأخيرة عرفت تحولا تدريجيا نحو إدماج البعد النفسي.
يقول محمد، إطار تربوي مشرف على مخيم وطني:
“أصبحنا ندرك أن دورنا لا يقتصر على تنظيم الألعاب والأنشطة، بل يتعداه إلى مرافقة الأطفال نفسيا، ومساعدتهم على تجاوز بعض الهشاشات التي قد لا يلتفت إليها الآباء”.
وبالفعل، بدأت بعض الجمعيات والمؤسسات بإشراك مختصين في علم النفس التربوي داخل المخيمات، لتأطير ورشات حول الثقة بالنفس، التحكم في الغضب، والقدرة على التواصل الإيجابي.
تحديات قائمة.. وإصلاحات مطلوبة
رغم هذه الخطوات، ما تزال المخيمات تواجه تحديات مرتبطة بالبنية التحتية، قلة الموارد، وضعف تكوين بعض الأطر.
وهو ما يهدد أحيانا بتحويل هذه الفضاءات من بيئة آمنة إلى فضاء قد يفتح الباب أمام ممارسات سلبية أو حالات إهمال.
مصادر من وزارة الشباب والثقافة والتواصل كشفت أن ميزانية البرنامج الوطني للتخييم برسم 2024 بلغت حوالي 140 مليون درهم ، وخصصت لتأهيل الفضاءات وتطوير التكوينات، مع إدماج محور الصحة النفسية ضمن الدورات المقبلة.
الأسر بين الثقة والقلق
في جولة للجريدة بين بعض أولياء الأمور بالرباط والدار البيضاء، عبرت أمهات وآباء عن ارتياحهم لما توفره المخيمات من فرص تعلم وتربية على القيم، لكنهم لم يخفوا قلقهم من بعض الأخبار المتداولة حول سلوكيات شاذة أو غياب تأطير كاف.
تقول فاطمة، أم لطفلة تبلغ 10 سنوات:
“أُرسِل ابنتي كل صيف إلى المخيم، وأرى أثره الإيجابي في شخصيتها، لكن في الوقت نفسه أطالب برقابة صارمة وانتقاء مؤطرين مؤهلين يراعون الجانب النفسي للأطفال”.
نحو رؤية جديدة للمخيمات
وسط هذه التحديات والرهانات، يتفق خبراء التربية على أن المخيمات يمكن أن تكون قاطرة لتعزيز الصحة النفسية للأطفال والشباب إذا ما تم الاستثمار في تكوين المؤطرين، إشراك المختصين، وتأمين فضاءات آمنة.
فالمخيم، كما يقول أحد الباحثين في التربية الطفولية، “ليس مجرد عطلة صيفية، بل هو مدرسة للحياة ، حيث يتعلم الطفل الإصغاء، التعبير، وتحمل المسؤولية، وهي كلها عناصر تسهم في بناء توازن نفسي واجتماعي طويل المدى”.
