أصدر مركز النورديك لتحويل النزاعات (NCCT) تقريره: ما وراء أسوار السجن: تحليل لواقع الإيداع في السجون وإعادة الإدماج في المغرب، الذي يقدم قراءة تحليلية لمسار السياسة الجنائية والسجنية بالمملكة، ويدعو إلى إعادة صياغة السؤال العمومي المطروح: بدل الاكتفاء بالبحث عن سبل استيعاب مزيد من السجناء، ينبغي التساؤل عن أسباب اللجوء الواسع إلى السجن، وعن مدى ضرورة وجود جميع نزلائه داخله.
فقد ارتفع عدد السجناء من 54,288 شخصًا سنة 2000 إلى 105,094 في نهاية سنة 2024، أي إنه تضاعف تقريبًا خلال أقل من ربع قرن. وعلى الرغم من تسجيل أول تراجع ملحوظ منذ نحو عقد، ظلت الساكنة السجنية في نهاية سنة 2025 عند مستوى مرتفع بلغ 99,366 شخصًا.
ولم تواكب الطاقة الاستيعابية هذا المنحى التصاعدي. ففي نهاية سنة 2024، كانت المؤسسات السجنية تؤوي نحو 105,094 سجينًا مقابل طاقة رسمية تقارب 65,152 مكانًا، بما يعادل نسبة إشغال ناهزت 161 في المائة.
ولا يرى التقرير في هذه الأرقام مجرد أزمة اكتظاظ، بل مؤشرًا على إشكال أعمق يرتبط بموقع السجن داخل السياسة الجنائية المغربية.
ويرى التقرير أنه عندما نعرّف المشكلة باعتبارها نقصًا في الأماكن، يصبح بناء المزيد من السجون هو الجواب البديهي. أما عندما نعرّفها باعتبارها توسعًا غير ضروري في اللجوء إلى السجن، فإن أفقًا إصلاحيًا مختلفًا ينفتح أمامنا.
السؤال لم يعد كيف ندبر عددًا أكبر من السجناء، بل لماذا ننتج هذا العدد الكبير منهم أصلًا، يقول نوفل عبود، المدير التنفيذي لمركز النورديك لتحويل النزاعات.
الساكنة السجنية حصيلة قرارات مؤسساتية وليست انعكاسًا آليًا للجريمة
يؤكد التقرير أن حجم الساكنة السجنية لا تحدده معدلات الجريمة وحدها، بل يتشكل كذلك عبر سلسلة من القرارات المتعلقة بالتوقيف والمتابعة والاعتقال الاحتياطي وإصدار الأحكام ومدة العقوبات وبدائل السجن والإفراج المشروط وإعادة الإدماج.
وتشير المعطيات التي صاحبت تقديم قانون العقوبات البديلة إلى أن المحكومين بعقوبات تقل عن سنتين يشكلون قرابة نصف الساكنة السجنية.
وهذه العقوبات القصيرة قد تكون كافية لحرمان الشخص من عمله ودخله، وتعطيل مساره التعليمي، وتفكيك روابطه الأسرية، وإلحاق وصمة السجن به؛ لكنها قد لا تكون طويلة بما يكفي لإتاحة تأهيل فعلي أو علاج ملائم أو تكوين مهني جاد أو إعداد منظم للإفراج.
ويبرز التقرير أيضًا أن الجرائم المرتبطة بالمخدرات والاعتداءات على الممتلكات تمثل مجتمعة أكثر من 56 في المائة من الجرائم المرتبطة بالساكنة السجنية. غير أن اتساع هذه التصنيفات قد يحجب فروقًا جوهرية؛ فاستهلاك المخدرات لا يعادل الاتجار الدولي بها، والسرقة البسيطة ليست في خطورة السطو المسلح المنظم.
ومن ثم، لا يتعلق السؤال بالتقليل من خطورة الجريمة، وإنما بتحديد الحالات التي يكون فيها السجن ضروريًا فعلًا لحماية المجتمع، وتمييزها عن الحالات التي يمكن فيها تحقيق الردع والمساءلة وإعادة التأهيل بواسطة عقوبات وتدابير غير سالبة للحرية.
تقليص الاعتقال الاحتياطي تقدم مهم يكشف في الوقت نفسه حدود الإصلاح
يسجل التقرير بإيجابية التقدم الذي حققه المغرب في تحديث المؤسسات السجنية، وتوسيع برامج التعليم والتكوين المهني، واعتماد العقوبات البديلة، وتقليص الاعتقال الاحتياطي، وتعزيز البنية المؤسساتية للتأهيل وإعادة الإدماج.
وقد تراجعت نسبة المعتقلين احتياطيًا من 45.7 في المائة سنة 2020 إلى 31.79 في المائة في نهاية سنة 2024، وهو أدنى مستوى مسجل منذ عقد على الأقل. غير أن السنة نفسها انتهت بعدد قياسي بلغ 105,094 سجينًا.
وتكشف هذه المفارقة أن النجاح في خفض أحد أهم روافد الاكتظاظ لم يُترجم بعد إلى انخفاض في الحجم الإجمالي للسجن. ففي نهاية سنة 2024، كان 70,279 شخصًا، أي 66.87 في المائة من مجموع الساكنة السجنية، يقضون عقوبات سالبة للحرية بموجب أحكام نهائية.
وبذلك، يتعين على الجيل المقبل من الإصلاحات أن يتجاوز سؤال من يُعتقل قبل المحاكمة، ليتناول سؤالًا لا يقل أهمية: من يُحكم عليه بالسجن بعد الإدانة، وبسبب أي أفعال، ولمدة كم؟
فتحسين ظروف السجون لا يعني بالضرورة نجاح السياسة الجنائية. فقد يمتلك بلد ما سجونًا أفضل، ويظل في الوقت نفسه يسجن عددًا يفوق ما تقتضيه الضرورة. وقد يوسع برامج التأهيل، لكنه يستمر في إدخال أعداد تتجاوز قدرة تلك البرامج على إحداث أثر حقيقي.
إعادة الإدماج لا تكتمل ما دام السجن هوية دائمة
بحسب المعطيات التي استند إليها التقرير، كان نحو 76 في المائة من السجناء دون سن الأربعين سنة 2024، فيما تراوحت أعمار قرابة 45 في المائة منهم بين 18 و30 سنة. وهذا يعني أن أعدادًا كبيرة تُسجن خلال المرحلة التي يُفترض أن يراكم فيها الفرد تعليمه وخبرته المهنية ومدخراته وشبكاته الاجتماعية ومسؤولياته الأسرية.
ولا تنتهي آثار العقوبة عند بوابة السجن. فبعد الإفراج، قد يواجه الشخص صعوبات في العمل والسكن والعلاج واستعادة الروابط الأسرية، فضلًا عن وصمة «السجين السابق» التي قد تحول العقوبة المحددة زمنيًا إلى إقصاء اجتماعي مفتوح المدة.
ويكون وقع هذه الوصمة أشد بالنسبة إلى النساء. فالمرأة الخارجة من السجن قد تجد نفسها في مواجهة رفض أسري، وفقدان الثقة، وصعوبة استعادة مكانتها داخل الأسرة، وتبعية اقتصادية، وتمييز في سوق العمل. وقد يصبح اضطرارها إلى طلب المساعدة من مؤسسة مرتبطة علنًا بالسجناء حاجزًا نفسيًا واجتماعيًا إضافيًا.
فالوصم ليس أثرًا جانبيًا لإعادة الإدماج، بل عاملًا محددًا لنجاحها أو فشلها. وكلما اضطر الشخص إلى تعريف نفسه باستمرار من خلال ماضيه السجني للحصول على الدعم، أسهمت منظومة إعادة الإدماج، من حيث لا تقصد، في إدامة الهوية التي يفترض بها مساعدته على تجاوزها.
المؤسسة مطالبة بتيسير منظومة إعادة الإدماج لا بأن تصبح المنظومة نفسها
يدعو التقرير إلى أن تبدأ إعادة الإدماج داخل السجن، من خلال التأهيل والإعداد المبكر للإفراج، ثم تنتقل تدريجيًا إلى المؤسسات العادية والمجال المجتمعي.
وفي هذا الإطار، ينبغي أن تحتفظ المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج بمسؤوليتها الأساسية عن التأهيل داخل المؤسسات السجنية والتحضير للإفراج، بينما تعزز مؤسسة إعادة إدماج السجناء موقعها باعتبارها منسقًا وطنيًا ومحفزًا وضامنًا لجودة مسارات إعادة الإدماج واستمراريتها.
ينبغي للمؤسسة أن تسهل عمل المنظومة الوطنية لإعادة الإدماج، لا أن تتحول هي نفسها إلى المنظومة بأكملها. قيمتها المضافة تكمن في قدرتها على التنسيق و والمساهمة في وضع المعايير وتعبئة الموارد وربط السجين المفرج عنه بالمؤسسات والخدمات العادية، لا في إبقائه مرتبطًا إلى أجل غير محدد بهوية السجين السابق، يؤكد نوفل عبود.
ويمكن للمؤسسة أن تضطلع بوضع معايير وطنية للمواكبة، وتمويل التدخلات المحلية، وبناء آليات للإحالة، وتعبئة المشغلين، وضمان استمرارية الرعاية الصحية والاجتماعية، وإنتاج بيانات دقيقة حول نتائج إعادة الإدماج.
أما الدعم المباشر والطويل الأمد، فينبغي أن تتقاسمه الجماعات الترابية، والمصالح العمومية العادية، والمقاولات، والجمعيات المحلية، والمنظمات النسائية، والأسر، والفاعلون المجتمعيون الموثوق بهم.
فمن يحتاج إلى العمل ينبغي أن يلج منظومة التشغيل العادية. ومن يعاني الإدمان ينبغي أن يجد مكانه أساسًا داخل منظومة الرعاية الصحية. والمرأة المحتاجة إلى التمكين الاقتصادي ينبغي أن تستفيد من البرامج العامة الموجهة إلى النساء. أما الشاب أو الشابة المحتاج إلى التكوين، فينبغي أن يلتحق بمؤسسات التكوين المهني العادية.
وينبغي أن تظل الخبرة المتخصصة متاحة، ولكن خلف الخدمة لا على اللافتة المعلقة فوق بابها. فالغاية هي الانتقال المصحوب نحو الحياة العادية، لا إبقاء الشخص أسيرًا لهوية إصلاحية أو سجنية دائمة.
وتقاس فعالية المؤسسة، في نهاية المطاف، بمدى قدرتها على تمكين الأشخاص من الاستقلال عن هياكلها والعودة إلى المجتمع، لا بعدد من يظلون مرتبطين بها. وتلك هي المفارقة الأساسية: كلما نجحت إعادة الإدماج، تراجع حضور السجن ومؤسساته في حياة الشخص.
خفض السجن غير الضروري لا يعني التساهل مع الجريمة
لا يدعو التقرير إلى إفراغ السجون أو الانتقاص من مقتضيات الأمن العام. بل يؤكد ضرورة توجيه العقوبات السالبة للحرية نحو الحالات التي تؤدي فيها وظيفتها المشروعة والأساسية: حماية المجتمع من العنف الخطير، والجريمة المنظمة، والسلوك الإجرامي الخطير والمتكرر، وغيرها من الحالات التي تكون فيها الحرية السالبة ضرورية.
أما في كثير من الجرائم البسيطة أو غير العنيفة، فيمكن أن تظل العقوبة جدية وملزمة وقابلة للتنفيذ من دون أن تكون سجنية بالضرورة. والتمييز المسؤول بين الحالتين هو أحد أهم مؤشرات نضج منظومة العدالة الجنائية.
ويوصي المركز بما يلي:
- اعتماد هدف وطني متوسط المدى وقابل للقياس لخفض معدل السجن، من دون المساس بالأمن العام؛
- تقييم العقوبات البديلة بناءً على عدد العقوبات السجنية غير الضرورية التي تحل محلها فعليًا
- مواصلة تقليص نسبة الاعتقال الاحتياطي ومدته؛
- تطوير الوضع تحت الاختبار والمراقبة الإلكترونية والعمل لأجل المنفعة العامة والعدالة التصالحية؛
- تقييم برامج التأهيل وإعادة الإدماج وفق نتائجها الفعلية في التشغيل والسكن والصحة واستقرار العلاقات الأسرية والحد من العود؛
- تطوير مؤسسة إعادة إدماج السجناء إلى منصة وطنية تمكّن من إعادة إدماج لامركزية وسرية وقائمة على القرب؛
- توسيع المجال المؤسساتي المتاح للمجتمع المدني، وتوفير تمويل منتظم لخدمات المواكبة المجتمعية؛
إدراج إعادة الإدماج ضمن الاختصاصات العادية للقطاعات المكلفة بالتشغيل والصحة والتعليم والسكن والحماية الاجتماعية.
« لقد راكم المغرب خبرة مهمة في إدارة مؤسساته السجنية. أما التحدي المقبل فهو أكثر طموحًا: أن ينتقل من إدارة السجون إلى حكامة اللجوء إلى السجن، ومن إعادة الإدماج داخل المؤسسات إلى إعادة الإدماج داخل المجتمع. ينبغي أن يظل السجن فصلًا عابرًا في علاقة الشخص بالدولة، لا الهوية الدائمة التي تستمر الدولة والمجتمع في رؤيته من خلالها»، يخلص نوفل عبود.
الرابط نحو تقرير: NCCT-Au-dela-des-Murs-de-la-Prison.NCCT-SEPT-2026.pdf
